Tuesday, November 06, 2007

حكاية الوردة الضاحكة والحورية الزرقاء

استشرت موجة الضحك فى أرض حنظل ..صار الضحك كمتوالية الشهيق والزفير ..حتى أن رائحة الضحك
طارت على أجنحة النسيم إلى المدن المجاورة..
وصلت الرائحة إلى أرض الغزلان ..كانوا مشغولين بالشدو وصنع التماثيل والأحلام التى تلطف حياة المتعبين فى صحوهم ..
كان الجمل العاشق يبعث بوجده للغزالة السوامة ..الغزالة التى وقع فى عشقها أيضا قلب سبع جريح ..
كان الجمل قد بلغ رسالته إلى قلب السبع لما أتى إلى أرض الغزلان .."بأن لايمد عينيه إلى ماليس له"..
يدعى ذلك الجمل "بالأشهب البتار"..لايسبقه مخلوق فى العدو ..ولايباريه أحد فى المبارزة ..
..يقال أنه آخر سلالة النبى "حنظل" ..ولده ولد له ..لكن ظلت حقيقة النسب دائما مطوية وغامضة ..وإن منحته الهيبة وأسبابا للتبرك به ..التى كانت ستتوافر له أيضا ولو لم يكن من سلالة حنظل لشجاعته الفائقة ..
لكن "الأشهب " ظل دائما غريبا ومنعزلا بين قطيع الغزلان ..كان يصمت أحيانا لأعوام كاملة مجترا أحاديثه السابقة ..
وحدها الغزالة السوامة هى من تستطيع جعله يتحدث ..ولكنها لم تبادله العشق أبدا ..بل ظلت دائما تحب تفرده وكبرياؤه ولاتحبه هو..تعشق قدرتها على فك إزار صمته وعزلته ولاتعشقه هو ..
لذا التصقت بعينى الأشهب دائما قسوة عاشق ملتاع ..كان صارما وعادلا وحزينا ..لكن وجعه فى العشق زاد كبرياؤه جلالا..
كانت متعته الوحيدة هى العدو إلى مملكة الجان الأحمر ..كانوا يحبونه ويشركونه فى احتفالاتهم ومبارازاتهم ..وكان يبز فرسانهم واحدا تلو الآخر..
عشقته جنية يقال لها "دحلز"..لكنه ظل مخلصا لأشواقه الغامضة لغزالته السوامة ..
أهدته "دحلز " ذات مرة وردة ..وردة لها ثلاث وريقات ..أحدهما سوداء والأخرى بيضاء والثالثة بلا لون ..فلم يكن يرى تلك الوريقة إلا من لمسها ..فأسماها الغزلان لما رأوها بالوردة العرجاء ..
كانت تلك الوردة كأنها واحد منهم فقد كانت تتحدث وتتنفس وتغضب وتحزن ..قادرة مثلهم على الشدو والغناء وإن كانت أبرع وأرق ..
قالت الجنية "دحلز"للجمل الأشهب ..أن تلك الوردة لها سر ولكنه لن ينكشف إلا عندما يجد قرين عمره ..ذلك الذى يجود له بدمه ..
لكن الأشهب أودعها بوادى السراب الذى يتيه فيه من استطاع العبور من الكوة الفاصلة بين أرض حنظل وأرض الغزلان ..كان وادى السراب هو أول حصونهم ..
كانت تلك الوردة ..هى التى أنقذت قلب السبع من التيه فى ذلك الوادى عند الوادى وجعلته يتبعها حتى وصل إلى غزالته السوامة ..
لايعلم الأشهب لم احتفظ بتلك الوردة العرجاء فى وادى السراب ..كان يبدو له أحيانا أن تلك الوردة هى من أرادت ذلك ..لكنه كان يزورها من حين إلى آخر يجلس بجوارها مستمعا إلى غناؤها العذب وحديثها الملغز ..عن العالم الغارق وعن ظهور منقذه..
كانت موجات الضحك التى وصلت إلى أرض غزلان ..موجات لطيفة فى حدتها ..فلم تصب الجمل الأشهب ولا عجائز الأرض وحكماؤها ..لكنها أصابت الغزلان ونف كثير من الغزلان لرقة قلوبهم وهشاشتها ومنهم الغزالة السوامة ..فتوقفوا عن مهمتهم المقدسة فى منح جمال للعالم الممزق بأدرانه واستفحال بذرة فناؤه ..وتفرغوا للضحك ..
ارتعب "الأشهب " ..كان قلقا على غزالته ..لكن الصوت الذى مرق فى وادى السراب ..أذهله عن غزالته رغم قسوة عشقه ..رج الصوت أرض الغزلان ..كان صوتا مستغيثا :ان صاحبه يتمزق ..لكن لم يذهب أحد ليغيث صاحب الصوت ..فقد شلهم الضحك ..
لكن الجمل "الأشهب" ذهب إلى وادى السراب لينقذ ذلك المستغيث ..
فلما ذهب وجد وردته العرجاء هى صاحبة الصوت المستغيث الذى يمزق القلوب ..فقد أصابتها عدوى الضحك ..لم تتحمل ..ظلت تدور حول نفسها كالممسوسة ..كانت على وشك الذبول والتساقط ..
نظرت الوردة إلى عينى الأشهب مستغيثة ..لم يدر ماالذى يتوجب عليه فعله ..لأول مرة يدرك الصلة الوثيقة بينه وبين تلك الوردة بسرها الغامض وورقتها الثالثة الى لاتحمل لونا ..ذلك السر الذى لن ينكشف إلا عندما يجد قرين عمره ..
كان غناء تلك الوردة مختلفا ..أدرك الجمل الأشهب ..أن تلك الوردة لم تغن إلا له ..منذ أن أهدتها له عاشقته "دحلز" ..
وللمرة الأولى أيضا منذ أعوام كثيرة ..تقطر الدموع من عينيه ..
فكر أن الحل ربما يكون عند "دحلز" ..فعدا مسرعا إليها فى مملكة الجان الأحمر..
اجتمع مجلس الحكماء السبعة بأرض الغزلان ..لمناقشة أمرين ..
أولهما أمر موجات الضحك التى أذهلت الغزلان عن مهمتهم المقدسة التى كلفهم بها نبيهم ونبى الوعول والذئاب .."حنظل"
والثاني..كان مناقشة أمر دخول قلب السبع إلى أرضهم ..كانت العلامات التى حكى عنها من رأوه قبل أن يطرده الأشهب ..مشابهة للمنتظر الذى ورد فى كتاب "حنظل" الذى لم يطلع على سره سواهم ..ذلك الذى يحيا بسهم مرشوق فى قلبه ..
لكن ظهرت بعض الأصوات التى رفضت فكرة أنه الوارد فى كتاب "حنظل"..
لسببين :أولهما أن الغزلان رأووه فى حملات صيدهم عند خروجهم إلى صفحة النهر المتاخك لأرض حنظل للشرب ..فقال واحد من الحكماء :كيف ينقذنا من يحاول قتلنا؟
أما السبب الثانى والأهم أنه ورغم جمال وجهه :كان مسخا..له لبدة سبع وجسد ذئب حتى وجهه الذى يشبه وجه قبائل آدم ضربت فيه السمرة والصفرة والبياض ..
لكن رد البعض الآخر بأنه هو والدليل على ذلك هو قدرته على اجتياز وادى السراب دون أن يأكله التيه ..
كما أن الكلمات التى تعين على عبور الكوة الفاصلة بينهم وبين أرض الغزلان لايعرفها أحد سوى شمس مدينة "حنظل"..
كانت الأصوات ثلاثة وثلاثة ..أما السابع وكان كبيرهم فاكتفى بالصمت ..ثم أشار إلى ضرورة أن يستشيروا القديسين المختبين فى كهوف جبل "الشمندل" فلابد أن زعيمهم "سيف المولى "يعرف أكثر..
سرت الهمهمة بينهم عند سماعهم هذا الكلام فالجبل يبعد كثيرا عن أرضهم مسيرة أشهر ..
والمخاطر التى قد يتعرض لها مرسالهم إلى "سيف المولى " كبيرة وخاصة أنها تمر على وادى العقارب وأرض العماليق والأخطر قبائل آدم ..التى لاترعى حرمة لغزال أو لذئب ..
فكر كبيرهم قليلا :ثم قال :لايوجد سواه ..الجمل الأشهب
كانت الحورية الزرقاء تطفىء حرائق الأرض بغناؤها العذب ..تأتى فى لحظات الغضب والحقد والألم والظلم ..ينصت الجميع إليها فيتوقفون عن إيذاء أنفسهم وبعضهم البعض ولو قليلا ..
هى النملة التى حملت وردة المفتون من الجنة إلى "حنظل" ليزرعها فى الأرض فعاد إليها الغناء الذى رفعته السماء إليها عند احتتدام شر الناس كى لايبتلعه الطوفان ..
صارت النملة بعد قتلها على يد العقارب حورية زرقاء محاطة بعشرة لآلىء هى أرواح عشر من الجن الأشداء الذين صاروا منشدين ..ثم صارت محاطة بإحدى عشر لؤلؤة ..
كانت اللؤلؤة الحادية عشر هى روح الجارية التى قتلها "حسران " خوفا من أن تطفىء نار حقده بغناؤها ..معقل قوته الوحيدة حتى الآن..
كانت الحورية الزرقاء تعلم أن غناؤها يلطف كثيرا من قسوة الأرض ..لكنها كانت تعلم أيضا أن الأرض تحمل سرا شرها وقبيحايجعلها دائما ساعية نحو فناؤها ..
كان المكان الوحيد الذى تطمئن إلى عدم حاجته إلى غناؤها هو أرض الغزلان ..فهى الأرض التى تودع الجمال فى الأرض ..أرض لم يمسها الغضب أو الحقد أو الظلم أو الألم ..ربما عرفت حزنا وديعا ..لكن الحزن دائما كان وقود الجمال..
كانت الحورية الزرقاء على إجادتها الفائقة للغناء وقدرتها على اختراق أعتى القلوب وأقساها ..تشتاق إلى أن تجد من يستطيع بغناؤه أن يفعل ذلك بقلبها ..لكن لم يفعل أحد..
إلى أن سمعت عن تلك الوردة التى أودعها الأشهب بوادى السراب..وردة من ثلاث ورقات ..أولهما سوداء والأخرى بيضاء والثالثة بلا لون فلا يراها إلا من يلمسها ..
فكانت تتسلل من وقت لآخر إلى أرض الغزلان ..لالتغنى بل لتستمع إلى غناء تلك الوردة العرجاء ..
لكن الوردة لم تغن أبدا إلا فى حضرة الجمل الأشهب ولم تغن لسواه ..
لم يكن لشىء من قبل أن يمسها بتلك القوة ويخترق قلبها بغناؤه ..إلا تلك الوردو ..كانت تستمع فى البداية ثم أصابتها الغيرة ..مما أفقدها من جمال صوتها ونقاؤه ..
لكن الغناء توقف من أرض الغزلان ..لم تعد تسمع إلا موجات عالية من الضحك جعلتهم يتوقفون عن كل شىء..
لما اقتربت أكثر سمعت تلك الاستغاثة المخلوطة برغبة فى التوقف عن الضحك ..استغاثة تنزع القلوب ألما وحزنا ..
فعرفت إنها استغاثة الوردة العرجاء التى توقفت هى الأخرى عن الغناء..
رأت الجمل الأشهب وهو يعدومسرعا إلى مملكة الجان الأحمر ..
هبطت الحورية الزرقاء بجوار الوردة العرجاء ..كانت الوردة تضحك وتستغيث فى خليط غريب ..كانت تذبل وتمضى نحو فناؤها ..
بكت الحورية الزرقاء وبكت معها إحدى عشر لؤلؤة ..
أشارت الوردة إلى أرض الغزلان التى توقفت عن الغناء وصنع الأحلام ..ثم رسمت على الأرض قلب سبع به سهم مرشوق وأشارت إلى مدينة حنظل ..
لم تدر الحورية الزرقاء ماالذى يتوجب عليها فعله ..كان قلبها يتمزق من استغاثات تلك الوردة التى لم تتوقف عن الضحك ..الوحيدة التى استطاعت أن تتفوق على غناؤها بل وتخترق قلبها به ..
لكنها بعثت باللآلىء الاحدى عشر إلى مدينة حنظل حيث قلب السبع ثم طفقت هى تغنى للوردة ..أجمل مما غنت من قبل حتى أمام "حنظل " نفسه ..حتى أن الغيرة التى أفقدتها كثيرا من جمال صوتها ونقاؤه قد انمحت ..فعاد صوتها عفيا عذبا كما كان ..
كان الكون بأكمله يرتجف من اللذة وهويتناقل مع النسيم أريج ذلك الغناء الذى تواسى به حورية زرقاء وردة عرجاء..
أنشدت الحورية بلا منشديها أغنية كان أولها :
أنا صابنى رمش الجدع ..قلت آه ..ياماى
كرباج وقلبى اتلدع ..منه وآه..ياماى
خبيت عشانه البدع ..ماتقولى آه ..ياماى

استمع الغزلان إلى هذا الغناء ..فتوقفوا عن الضحك لدقائق ..لكنهم سرعان ماعادوا بشكل أشرس إلى ضحك أشبه بالعواء ..
أما الوردة فابتسمت وتوقف أنينها للحظة ..ثم عادت هى الأخرى إلى استغاثاتها من نزيف الضحك ..
بينما كانت اللآلىء الاحدى عشر..تحمل قلب سبع طائرة به إلى وادى السراب بأرض الغزلان ..حيث تقبع وردة ضاحكة تواسيها حورية زرقاء ..
وصل الجمل الأشهب إلى مملكة الجان الأحمر ..تلك مسيرة ثلاثة أيام عدوا ..لكن لسرعته الفائقة ..وصل الجمل الأشهب فى قرب ساعة ..
لما رأته "دحلز"عرفت من لونه المخطوف أن مجيئه ليس طلبا للمسرة أولمبارزة أحد فرسان الجان ..بل لأمر جلل ..
حكى لها الجمل الأشهب عن ما أصاب الوردة العرجاء وأنها صارت تستغيث من الضحك ..سألها عن دواء ناجع ..ينقذ أرض الغزلان ووردته المستغيثة ..
ففكرت قليلا ثم قالت :
ليس الحل فى الغناء ..عليهم أن يستمعوا إلى صرخة جليلة مدوية ..صرخة تذهلهم وتصعقهم ..فيفيقوا وينمحى كل أثر للضحك ..
فقال الجمل الأشهب :أنا لها
لكن "دحلز":ربما لاتجدى صرختك ..على الصرخة أن تخرج من قلب مكلوم ..محمل بأكثر من قدرته ..فأنت قادر على تحمل أحزانك ..
ففكر الأشهب ..ثم لمعت فى عينيه قسوة عشقه الملتاع ..
أحست "دحلز" بالغيرة ..لكنها قالت :سأجمع لك فقراء الجان الأحمر ..أفضل البكائين ..المكلومين بصنع الملك "برقوش" وحاشيته..
فذهبت معه إلى الطائفة التى تؤمن سرا بقداسة "زرادة /كناس العتب الذين تلقفوا مقولته بأن الكل باطل وقبض ريح ..بل أضافوا لها طقوسا وتعاليم..وحدهم الفقراء من آمنوا بتلك المقولة ..
ذهبا معا إلى أحد الكهوف التى تمارس فيها تلك الطقوس ..
فى طريقهما رأى الأشهب الملك برقوش..واقفا فى قصره ينظر إلى الجبل الذى اتخذ مكانه أمام قصره حاجبا عنه ملكه الشاسع ..كان قد حاول دكه مرات ..لكن فى كل مرة كانت الرياح تجمعه ..وتعيد تشكيله حتى صار على هيئة كناس العتب وفى يده سيف مشهر نحو القصر وعلى جبينه مقولته ..
كان الليل قد زحف ..لكن آلاف الشموع التى وضعها الفقراء على الجبل ..قد أضاءت تلك الظلمة ..
وصل الأشهب إلى الكهف الذى تمارس فيه تلك الطقوس سرا ..
كانت "دحلز" واحدة منهم ..
قرأت السلام ولفظت باسم "زرادة " فانفتحت لها المغاليق تلقفهم حارسا هزيلا أضاء شعلة ثم مضى بهم فى دهليز طويل ..كان فى نهايته مجموعة من البكائين يتحلقون حول شعلة من نار ..
كانت واحدة من الطقوس هى البكاء ..كانوا يقولون أن البكاء هو نداء زرادة ..
ولما لم يكن الجنى يبكى إلا إذا أصابه عطش ..كانوا لايقربون شرب الماء لسنين طويلة ..
جلس الأشهب وسطهم صامتا كعادته واحتراما منه لقدسية ما يفعلونه ..
بعد ماانتهوا من صلاتهم ..مر كبيرهم على كل واحد منهم بلحيته الطويلة البيضاء ..جلدهم بسوطه ..فتعالت الصيحات والصرخات ..وفى كل مرة كان اسم "زرادة"يعلو حاليا ..فيزداد وهج شعلة النار ..فلما علا وهجها قذف كبيرهم الذى يدعى "نطرون " بكلمات وأظافر ورموش كان يجمعها وأتباعه من أبناء آدم ..
فقال :الآن صفا وجه النار ..فاصفح يا أبانا وتجل لنا ..
همست "دحلز"للجمل الأشهب أن وجه "زرادة "لم يتجل أبدا ..رغم أن تلك الطقوس تمارس من مئات السنين ..
وأضافت أن ظهور وجهه يعنى صفحه عن ما تعرض له من عذاب وتشرد فى أرض الله ..
لم يعقب الأشهب لكنه نظر إلى وجه "نطرون" القاتم رغم لحيته الطويلة البيضاء ..
لكن فجأة أضاء الوجه ..ثم هلل قائلا "رأيته ..رأيته ..لقد عاد ..عاد معتليا عرشه ممسكا لسيفه ..
ثم انطفأ ما أضاء فى وجه "نطرون "فقد غاب وجه زرداة من صفحة النار ..
علا الفرح قلوبهم ..فكفوا عن البكاء..لكن "نطرون" أمرهم بأن يؤجلوا فرحهم لأن زرادة لم يصفح بعد ..أخبرهم أيضا بأن اسمه قد تغير فصار "كناس العتب" ..
ابتلع الفقراء فرحتهم وعاودا الصراخ والتباكى ..
ظهر السأم فى عينى الأشهب ..فأشار لدحلز أن تبلغهم بحاجته كى ينقذوا أرض الغزلان من عدوى الضحك ..وينقذوا وردته المستغيثة وغزالته السوامة ..
فلما أخبرتهم "دحلز" كاد "نطرون " أن يرفض ..لكن نظرة الاصرار واحتتدام عينى الأشهب بقسوة عاشق ملتاع ..جعلته يوافق ..
فقال:لننتهز ستر الليل ونرافق الأشهب إلى أرضه ..
فمضوا جميعا والأمل يداعب قلب الجمل الأشهب فى نجدة أهله
طارت إحدى عشر لؤلؤة إلى أرض "حنظل" ..استقر بهم المقام عند بيت الوعل الحكيم حيث قلب السبع يتلقى دروسا على يديه فى السحر والطب والفلك ..
نقروا الباب إحدى عشر نقرة ..فلما فتح الوعل الباب ..مضت الاحدى عشر لؤلؤة ..قرأ البشرى والنذير ..سيذهبون به إلى أرض الغزلان ..سيرى معشوقته السوامة ..
ولكن كان النذير صادما ..سيذهب لأمر جلل..السوامة فى خطر
ثم حملوه وطاروا به إلى وادى السراب ..
كان ذلك موعد تخضب الشمس بلون الدم ..حيث منام الوعول والذئاب ..وميعاد قوة "عين اليمين"..حيث يغادر ثلاثون ظلا..ثلاثون جسدا ليصيروا جيشه وعتاده ..
كان "عين اليمين " ماضيا بهم نحو وادى السدرة حيث عرشه الصغير ..
كان يفكر فى طريقة للانتقام من الملك "وجلان"..بعد ما فعله بأبيه "جمجوم"الذى صار مجذوبا ..ومن قبل حبسه لأخيه "عين الشمال " فى قبو الدخول إليه متاهة والخروج منه تيه ..
وحده "عين اليمين " من رأى قلب السبع طائر تحلق حوله إحدى عشر لؤلؤة تحمله أصابه الحسد والحقد ولمعت بعينيه لمعة عين ذئب ..فرفع قوسه ليغرز فى قلب السبع سهما مسموما ..فلما انطلق السهم تلقفه غراب أسود..ثم حط الغراب على الأرض وعاد إلى هيئته شيخ عجوز..يحرس قلب السبع بأمر من "سيف المولى "كبير القديسين المعتصمين بجبل الشمندل من الألوهية التى منحها لهم من تبعوهم من أبناء آدم ..


Labels:

Posted by Zeryab at 9:40 PM 2 comments



Saturday, October 20, 2007

القسم الثانى ..أرض الغزلان

نور الخلايق فى الخلايق تاه
أنا قدت فرحى فى قلبى وقلت يا ولداه
مر الأحبة فى جوفى ما أحلاه
أنا قلبى قوته فى حب النبى وآله
اسمع كلام النبى ماتقولش دول قالوا
ما تضل بعده لو القلوب ضلوا
ماتمل منه لو القلوب ملوا ..
نبى ماهوش زينا لكن زينا إنسان
أول كلامه سكة التايه
آخر كلامه ورد للحيران
بعد الصلاة على النبى نرجع ونوصل قول
عن زمان كان قلب سبعه جريح
عاشق غزالة وبسهم عشقه طريح
ورا عشقه يجرى والزمان بيدور
على خلق مش زينا لكن زينا مجاريح
على الجبين القدر من الأزل مكتوب
قدرك يا قلب السبع ماينكتبله هروب
تلقى روحك جسمها المكتوب
ترجع ديابة الخلق زى الخلق
والغزالة تبقى بنت بنوت
والوعل بعد المذلة يتنصف بالحق
والدنيا تحلى رغم الشقا والموت
آهين يا قلب السبع
ماينكتب سعد إلا بقولة آه
ماهو أصل نور الخلايق فى الخلايق تاه
أنا قدت فرحى فى قلبى وقلت يا ولداه
مر الأحبة فى جوفى ما أحلاه

Labels:

Posted by Zeryab at 11:45 PM 1 comments



Monday, October 01, 2007

جكاية عضمضم والمدينة التى لاتضحك

طلب عضمضم أن يرى صانعة هذا النبيذ الذى لم يرمثله فى أى ركن من أركان العالم على خلود
حياته ..فعلم أن من يصنع هذا النبيذ بمدينة "حنظل" تدعى "طرطوفة "..امرأة عجوز من قبائل آدم ..ضلت الطريق إلى هنا بحثا عن إبرة كومة قش ..ثم استقرت يأسا من البحث وقيل نسيانا لما كانت تبحث عنه..وفى مرة كانت تتضور جوعا فأمسكت بعنقود عنب ولكنها نست فظنت أنها عطشى فعصرت العنب لتصنع منه شرابا ..ما أن تذوقته حتى مر شبح الابرة التائهة فى أكوام القش ..فألقت تعويذة اصطياده الخائبة والتى لم تفلح ابدا معها ..ولكن ما أن ألقتها حتى ضحك لها وجه فى عصير العنب ،سرعان ماختفى تاركا لها فورانا من ألوان سعيدة ..ما أن تذوقت هذا العصير حتى سرت لذة عجيبة فى أوصالها ..
وفى اليوم التالى كانت سبعة شموس لسبعة مدن قد جلسوا فى حضرتها ليتذوقوا كعادتهم الكأس اللأول لأى صانع نبيذ ..كى يمنحوه اعتمادهم أو يقطعوا رأسه ..فلما ذاقوا علموا أن بين يدى طرطوفة سر مهيب ..يجعل نبيذها هو الأفضل والأجمل فى تاريخ الأزمان ..فظلوا عندها أربعين ليلة لاينقطعون فيها عن الشراب تاركين مدنهم السبعة فى ظلام دامس حتى اختلط فى تلك الدن الحبل بالنابل وحدثت فيها سرقات عظيمة واختلاط للأنساب..وثورات أقامت ملوكا مكان ملوك ..
ولما عادت تلك الشمس إلى مدنها ....ضلت الطريق بتأثير النبيذ..فالشمس الأولى والثالثة ذهبا مكان الشمس الخامسة والثانية ..فأملت تلك الشموس على المدن التى وقعت عليها تاريخا وذاكرة جديدة حتى أن مدينة كاملة من سارقى النعال صاروا علماء زمانهم فى الفلك والطب ..بينما تلك المدينة التى اشتهرت بعلمها فى الفلك والطب صاروا يبيعون ريش الطيور ويعلقون الأسماك الملونة فى آذانهم كأقراط..
أما الشمس السابعة والرابعة فقد ذهبا إلى نفس المدينة..فاختلفا على من منهما هو صاحب المدينة فتقاتلا بضعة سنين حتى قتلت إحداهما الأخرى فانطفأ نورها من الندم ثم جنت عندما علمت أنها لم تكن فى الأصل مدينة أحد منهما بل كانت مدينة الشمس السادسة..التى لم تعد إلي مدينتها واختبئت بين عينى طروفة لتضىء لها الطريق..
أماالشمس القاتلة فقد فقدت نورها وعقلها وظلت تسعى بين شموس المدن الأخرى ظنا منها أنها الشمس المقتولة..وأسموها "الشمس المجذوبة "والشمس المطفاة"..بينما غرقت ثلاثة مدن باكملها فى الظلام وطمست تماما فوجده الشبح آكل الذكرى لقمة سائغة وسهلة فأكلها ..فهمست ملائكة السماء بتحريم النبيذ ..ولكن جاء الرد حاسما وقاطعا أن ذلك ليس آوانه بل يصير تحريم النبيذ واحدة من علامات قيامة الأرض الصغرى..كانشقاق القمر..
لما رآها عضمضم ..ضحك ..لايعلم لم ..لكن "طرطوفة"ضحكت هى الأخرى كاشفة عن فم خربة وخاوية ..بدا ذلك كنداءولغة خاصة ..لكنهما لم يدركا مغزاها ..لم يدركا سوى ذلك الانجذاب الخفى بين عجوز بلا أسنان ومهرج بساقين يطولاويقصرا وأذنين على هيئة مروحتين ..
قالت له:لاتخش شيئا ..ثم أعدت له كأسا من النبيذ ألقت عليه كلمات أخرى غير الكلمات التى كانت تستخدمها لمحاولة اصطياد إبرة فى كومة قش ..كلمات عاشقة ..فلما شربه ..جذبته من يديه ..إلى كوخها ثم أطفأت الأنوار..ثم أطفأت القنديل بنفخة ..قبلها عضمضم قبلة طويلة ..تعجب من هذا الفم ..الذى صار فجأة يحمل أسنانافلما أطال القبلة اكتشف أن للسانها طعم التين ..أحس بقوة تدب فى جسده المبعثر ..كأنه عاد فتيا ..
قال لها لما انتهيا من بلوغ سدرة المنتهى :لم أذق يوما مثل هذا ..لما أضاءت القنديل ..تعجب من جسدها العجوزاللشائك الذى كان ملمسه منذ دقائق كقطيفة ناعمة ..فقال لها :السر فى النبيذ؟..فقالت بحسم :بل فى العشق..نفخت القنديل مرة ثانية ..ثم طارا معا لبلوغ سدرة المنتهى
******************************
مضى اليوم الأول والثانى ولم يفلح عضمضم فى أن يضحك ولو رضيع فى مملكة حنظل..ذكره الملك بأن انقضاء المهلة تعنى قطع لسانه وأكد ذلك برغبة الملكة منبوذة فى اتخاذ لسانه المقطوع كعقد فى صدرها ..
رأت طرطوفة الحزن يمتد ليصنع دمعة فى عينيه..
فقالت له:أتخاف عقاب الملك؟
فأجابها:بل أخاف الفقد ..من سنين طويلة فقدت الفرح..والآن أخاف أن أفقدك ..
ثم انتفض خارجا من كوخها نظر إلى المدينة قائلا :كيف يمكن إضحاكهم فى يوم واحد..
تذكر القمر الذى منحه من قبل سببا لوجوده لما أخبره كيف يفصل عطر الوردة عن الوردة ..لم يكن القمر فى ذلك الزمان قد بلغ كل هذا الشأن الذى يجعل الملوك يرتعدون لهيبته..
فكر أيضا أنه مديون للقمر ،عليه أن يجعل هبوطه إلى مدينة "حنظل"عيدا بحق.سيريه كيف صار عضمضم فى بحثه عن فرحه المسروق ..مهرجا عظيما لم تنجب الأكوان مثل حيله البيضاء التى لا تضر ولا تنفع ولكنها قادرة على إثارة الضحك فى أكثر القلوب حزنا ..
جعل طرطوفة تعمل على صنع كمية هائلة من النبيذ..ثم طلب منها أن تلقى عليها كلمتها العاشقة ولكنها ذكرته أن العشق لايثير الضحك بل يعيد صهر الأحزان ويرد منها السام وغير الضرورى ليصنع منها شيئا نقيا وخالصا لايمس ولايفهم..
فقال عضمضم :إذن أقرأ عليه كلماتى ..فوقف أمام براميل النبيذ..ثم قال:ستصيرالأرض للأذلة ..أما الضعفاء فهم الملوك..سنستعيد فرحنا المسروق..
ثم سكب براميل النبيذ واحدة تلك الأخرى فى طرقات المدينة فصنع سبعة أنهار من النبيذ كانت تصب فى بحيرة الكحل ..شرب منه الدانى والقاصى ..حتى الطيور والفراشات الهائمة والنمل السارح..الكل شرب منه حتى سكر..فأثار ذلك أول موجات الضحك..
لكن ذلك لم يكن كافيا ..فأخرج ببغاؤه الأعرج وأمره بأن يطير إلى شمس مدينة حنظل ويجعلها ترتدى طرطورا ملونا ..لكن الشمس رفضت بكبرياء..فهى الشمس العالية التى اختصها الله أن تكون شمس مدينة الأسرار المقدسة ..مدينة "حنظل..
فعاد الببغاء إلى عضمضم مخبرا إياه برفض الشمس ..لكن "طرطوفة"أعطته قدحا من النبيذ وقالت :إصعد به إلى الشمس..فلما شربته الشمس ..اشتهت قدحا آخر ..فأخبرها البغاء بأن لكل شىء ثمن ..فامتثلت الشمس لطلب عضمضم فى أن ترتدى طرطورا ملونا ..لكن لما جربته لم يغضبها بل أعجبها أن تتنازل ولو قليلا عن ثقل كبرياؤها ..
فطار الببغاء الأعرج إليها بقدح آخر من النبيذ وبثلاث برتقالات..طلت تمطوحها فى الهواء وتلقفها شاعرة بلذة أن تكون بهجة للآخرين..
رسم الببغاء للسحابات ذيولا ومناقير ووجوها مضحكة ..أما القط السمين فأمسك بريشة وداعب باطن قدم وعل رضيع فضحك ..فافاستشرت اللعبة فى أرجاء المدينة ..فأمسك الوعول والذئاب بكل الريش الذى وجدوه ..حتى أن بعضه كان من ريش الحكمة الذى يغطى قبر الوزير"طمان"..وظل كل واحد منهم يداعب بطن قدم رفيقه..
أما أكثر ما أثار الضحك..هو صعود عضمضم وطرطوفة إلى تل عال معلنين عن حبهم واقترانهما معا بقران أبدى ..كانت تلك القبلة العجيبة التى تبادلاها تجعل أكثر القلوب غما تضحك..خاصة وأن طرفيها هما عجوز بلا أسنان ومهرج بأذنين على شكل مروحتين وساقين يطولا ويقصرا..
ولكن عضمضم لم يكتف ذلك ل ذهب إلى قصر الملك وطلب منه طلبا عجيبا رفضه الملك بحسم فى البداية ..ولكن الوعل الحكيم استطاع اقناعه بتلبية طلبات عضمضم كى لايقضم القمر من ملكه قضمة..وما أن نفذه الملك حتى ابتسم هو الآخر ثم ضحك ..حتى أنه منح"عضمضم"وهو مستلقى على ظهره من الضحك..أول قرن وعل اصطاده بيديه ..عندما كان صغيرا..لم يفرح عضمضم لهذا ..فهولايضحك الملوك..بل يصلح ما أفسده الملوك".
كان عضمضم أيضا قد جعل كرمات العنب ترقص ..وجعل بعضها يقص النكات ومهازل ابن آدم على مر الأزمنة السابقة والتالية ..حتى أن بعضها حكى دعابة عن شخص يوم قيامة الأرض الكبرى يبحث عن كنزه المدفون ..رغم أن الأرض كانت تبوح صارخة أن ما حان هو لحظة فناؤها التى انتظرتها بفارغ الصبر منذ بدء الخليقة ..ولما أيقن صاحب الكنز المدفون أن الأرض داهمها الفناء..وأنه لافائدة من كنزه..لم يصبه الجزع ..بل قرر أن تكون آخر أفعاله على الأرض..أن يبول عليها وهويردد:لم كان كل ذلك الشقاء..ثم ابتلعه كل شىء مبتلعا معه كل شىء..وكانت تلك هى الآخر الكلمات التى قيلت على لأرض..
فى اليوم الرابع كان عضمضم قد نفذ من عقاب الملك "وجلان"بقطع لسانه ..لكن رائحة الضحك اجتذبت آخرين من مدن أخرى فأتى قطيع من السحالى وعرض مواهبه العجيبة ..فعقدت كل واحدة منها ذيلها فى ذيل الأخرى وظلت تدور فى حلقات ..
بينما شهدت المدينة سبق عجيب بين مائة سلحفاة انتهى بعد خمسة عشر يوما ولم تفز أى سلحفاة لأن التعب قد أنهكهم فى منتصف المسافة ..أما الطيور فأمطرت المدينة بقبلات اصطادتها من عشاق ،حتى أن بعضها كان فى الأصل واقعا من قبلات طرطوفة وعضمضم وكان مميزا بين القبلات الأخرى..فقد كانت تلك القبلات تنزل على الأرض لتغرس ورودا لم تعرفها مدينة "حنظل "من قبل ..فعرف الكون حكايات عن الياسمين والبنفسج وزهرة أخرى عملاقة كانت تقص المبهج من أخبار العاشقين ..
فى اليوم الخامس ..كان قوس قزح يمشى متبخترا بين أبناء المدينة..حتى أنه سمح لأطفال الوعول بركوبه واتزحلق بين طرفيه..
فى اليوم السادس..أصاب عضمضم حزنا عميقا ..فبعد كل هذا الذى فعلا ..لازال هناك واحدا لم يضحك ..كان قلب السبع
*************************************
كان الطلب الذى طلبه عضمضم من الملك عجيبا بحق ..فقد اقترح عليه أن يجعل واحدا من رعيته ..ملكا ليوم واحد..أكثرهم إثارة للهزل..فلما اقتنع الملك ..قرر أن يجعل من "جمجوم"البستانى الفقير ووالد "عين اليمين "و"عين الشمال "هذا الملك الهزلى ..فهو فارغ العقل والقلب ..
أتوا بجمجوم وألبسوه حلة الحكم وتاجا ملونا وقلدوه مفاتيح خزائن لبن العصفور..تجمهر الوعول والذئاب ليروا هذا الملك ..أمره أن يلقى خطبة ..فتلجم صوته وتبعثر فى الهواء..
مر فى عقل "جمجوم " أن تلك هى الصورة التى رآها عند قبر الوزير "طمان"..عندما رأى نفسه واقفا وفى رقبته مفاتيح خزائن لبن العصفور وفى يديه سوط يضرب به أبناء جلدته من الوعول ..صورة كان يجرح اكتمال هيئتها غيم ..ورغم ذك وافق لما رآها أن يعقد اتفاقه مع "طمان" بأن يزرع بذرة هلاك الملك فى بستانه ..تلك البذرة النى نمت على هيئة الملك "وجلان" نفسه وكانت تنشد وتغنى ..فصارت فتنة الملك "وجلان" ولوثته..
لكن "جمجوم " لم يكن يدرك أن الصورة التى آراها إياه "طمان" لاقناعه..لم تكن سوى صورة هزلية تجعله نكتة للعابرين ولا تجعله ملكا كمااعتقد..
لكنه لم يتراجع أو ينزل عن ما أوقعه فيه الملك "وجلان"وعضمضم بجعله مجرد وسيلة للاضحاك ..بل قرر أن يحيا اللحظة ما لو كان ملكا بالفعل ..
فارتجل خطبة..كان أولها:(يا قطيع..لاملك عليكم سوى سوطى هذا ..لاشىء سوى شدة القلب هى ما تصلح معكم ..هى ماتحبونه فى قرارة أنفسكم ..أما اللين فستقطعون صاحبه إربا..لا لشىء إلا لأنكم تكرهون هذا أن يكون ملككم هكذا ..لينا كفرسة سهلة الركوب..)
ثم ضرب بكرباجه فى الهواء ..لكن ذلك أثار الضحك ..فجعل الوعول يقذفونه بحبات العنب الفاسدة ..
أكمل "جمجوم ..(سترون منى بأسا شديداأشد مما رأيتموه من ملكم الوجلان ..لست منكم ..من هو منكم ..سيكون أشد قسوة منى ..إذا ما وليتم ..ستأكلون بعضكم إربا ..)
كان "عين اليمين" ابنه يقف بين الحشود ويبكى على أبيه الذى صار مهرجا..
ظل جمجوم ..يصرخ:..سرق "وجلان قدركم فى صحوكم وسرق وزيره "طمان" قدر أولادى فى منام ..أنا ضعيف كورقة الشجرة ..أنتم ضعفاء كورقة الشجر..لكنى الآن أقوى ..أنا الآن كالريح والفيضان ..
تعالت صيحات الوعول وضحكهم حتى أنهم هتفوا باسم الملك "جمجوم" امعانا منهم فى السخرية ..
حتى جاء الفرس الأعمى الذى يحمل من فقدوا عقولهم إلى الرصيف الآخر من العالم ليروا الحقيقة التى لن يتحملها إلا من فقد عقله قبل أن يعود بهم إلى الأرض ..
جاء وحمل "جمجوم " وطار به فى عشر دورات كاملة ..جاورته الشمس المجذوبة وسألته عن الغفران..ثم هبط به إلى الأرض تاركا إياه فى حال مابين الحكمة والجنون ..قلده خرقة المجاذيب وبدل السوط الذى كان يحمله بسعفة بينما ألبسه تاجا من القش..
سار "جمجوم " فى المدينة على هيئة مجذوب ..فظلت أطفال الوعول تقذفه بحبات العنب ..بينما هو ينشد شعراويقص حكايات عن الرصيف الآخر من العالم ..
رأى قلب السبع هذا المشهد..فاحتار قلبه فضحك ثم بكى ثم ضحك ثم بكى بكاؤا شديدا ..ثم تفجر بضحك كأنه البكاء ..قائلا ..هكذا الدنيا إذن..بنيان شديد لايستند إلى شىء ..لم إذن كان كل هذا الشقاء ..
أما عضمضم فاعتبر ضحك قلب السبع انتصارا له حتى لو بدا ضحكا كالبكاء

Posted by Zeryab at 8:00 PM 2 comments



Thursday, August 23, 2007

حكاية كناس العتب وأرض العماليق

طار الببغاء الأعرج الذى يملكه عضمضم دورةكاملة فى أرجاء مدينة حنظل ..ثم عاد إلى صاحبه
قائلا : الغم أقسى من قدرتنا على الاضحاك ..
أما القط السمين فتسلل إلى جحور المدينة وشقوقها باحثا عن فرح مسروق أوقطعة لحم فلم يجد..فعاد إلى صاحبه قائلا:ترقد فى تلك المدينة أسرار عظيمة وهواء برائحة المسك وقلب سبع جريح لكن لا أثر لأى فرح
أما عضمضم فقال :هنا يقطن اثنان ..سارق الفرح ومكفرذنب القطط..فبكى القط السمين
ثم حكى :رأيته ..قلب سبع له وجه يشبه أبناء آدم ..ضربت فيه السمرة والحمرة والصفرة ..كان يناجى الشمس محدقا فيها غيرمبال ..مارأيت أجمل من عينيه على هيئته التى تتكىء على أجناس عدة ولاتتكىء على جنس ..له رائحة عاشق ..قلبه الذى رشق فيه السهم سلفا ..تأكيد النبوءة..وعلامتها التى لاتقبل الشك ..ذهبت إليه وقبلت الأرض ،لم يعلم بعد ماهو منذور له ،ربما أدرك ذلك ببصيرته،لذا بدا متألما لكن بصره لم يدرك بعد..
قال الببغاء الأعرج:
أقسم إنى رأيت الشمس تعلق وردة بقلبه ذى السهم المرشوق وأنها رفعته من مكانه إلى سحب بنفسجية ظل يقفزمن سحابة إلى سحابة ..حتى ابتسم ،هو الذى غنى مع حوريات الجنة لثمن خده وشفتيه وقدميه فقهقه ..وضربت له الملائكة بالدفوف
أما عضمضم فقال:سمعت صوت بكاؤه ،نشيجا منغما ،ربما رأى اسمه المرصود لعذاب لاقبل لمخلوق به ..فض السرواقع بين عينيه ..
قال القط السمين:ليتك تسمع نبض قلبه ..لحبيبة ..لحبيبة ..هكذا كنبض متصل ،لوعرفت القطط بوجود لأقاموا عرسا لاينتهى الا بمرورالقمر ألف مرة على أرضهم ..
فختم عضمضم الكلام بقوله :مكتوب على الأرض ألا يكتمل لها بهاء الا بعذاب عظيم ..يارب الوجود..لاسمع مثل سمعك ..ولاعلم مثل علمك..فخلصنا من ديّن الوجود المعلق على كل رقبة
**************************
مضى قلب السبع متسللا نحو أرض الغزلان ،خلف نبض قلبه المتصل الذى ينطق هكذا :لحبيبة..لحبيبة ..
كان الشوق إلى غزالته السوامة قد استبد به وقض مضجعه ،لم يرها منذ انقض عليها فرسان الملك وجلان وأنقذها الشيخ العجوزالذى اتخذ هيئة الحلزون ..
كانت غزالته السوامة قد فزعت من هيئته التى تتكىء على أجناس عدة ولاتتكىء على جنس ،لكنه لم يخش شيئا تلك المرة
قدرخشيته من مكابدة الشوق ..
فاتجه إلى كوة لايعرف سرها مخلوق سوى شمس مدينة حنظل التى خضعت لتوسلاته ..ذلك السرالذى منحهم إياه حنظل كى يضمن بقاؤهم ،لايخرج للغزلان للعالم إلا للشرب من نهر الرائق ..
علمته الشمس أن ينطق بالتعويذة التى تقتح الباب الموصود ..ما أن نطق ..حتى انفتح الباب على أرض شاسعة بها تماثيل عالية مشيدة ،آية فى الجمال ،استوقفه تمثال معلق فى الهواء،عرفه من الاسم المنقوش على التمثال..هو "حنظل" نبى الوعول والذئاب،كانت عينيه مثبتة إلى الأرض ..لكن أكثر ماشد انتباهه هو أن تمثال "حنظل"لميكن على هيئة وعل بل على هيئة واحد من أبناء آدم ..
ثم وجد تمثالا آخر أصغر حجما لكنه أبهى وعلى جبين التمثال نقش ذلك الاسم "المنتظر"..كان التمثال أيضا على هيئة واحدمن أبناء آدم وبقلبه سهم مرشوق ..تماما كالسهم المرشوق بقلبه ..
مضى قلب السبع متسللا بحثا عن غزالته السوامة ..نظرة يارب الأكوان تشفى الظمأ وتوهن من شدة العلة ..لم ير أثرا لغزالة بعد ..لاأثر لشىء..سوى تماثيل عالقة فى الهواء..
فظل يشمى حتى رأى زهرة من بعيد ..كانت الزهرة تلوح له أن اتبعنى ..فتبعها ..ظل يمشى حتى اختفت الزهرة فرأى قطيع الغزلان لم يميز بينهم غزالته السوامة ..كان بعضهم يأكل العشب والآخر ينشد الشعر والآخر يعزف موسيقى لمغازلة ملائكة السماء والبعض يصنع أحلاما طيبة للبائسين فى الأرض كى تسرى عنهم فى منامهم ..
ثم لمح غزالته السوامة ،كانت تغزل من الفضة عنقود عنب ،خشى أن تراه فتفزع،لكنه تجاسرومضى نحوقطيع الغزلان حتى اقترب من غزالته ..أهدته عنقود العنب ما أن امسكه حتى اختفى كل شىء ..كحلم أبيض..أفاق منه فوجدنفسه فى قفص لاقبل لقوته على الخلاص من أسره..نظر حوله ..فوجد الغزلان تحيط به من كل جانب تحدق به ..ظل على هذا الحال حتى فرقتهم صيحة ..فأفسحوا الطريق لهيبة القادم ،كان جملا ضخما بعينيه قسوة عاشق ملتاع وبخاصرته سيف ..نظرإلى قلب السبع متحديا فبادله قلب السبع استهانة النظرة
قال الجمل لقلب السبع :مددت يدك إلى ماليس لك
ثم رأى قلب السبع الغزالة السوامة وهى تقترب من الجمل ،قبلت جبينه ومسحت فوق ظهره ،فانقلب غضب الجمل إلى وداعة ..شعر قلب السبع بالألم يعتصره ،شعر بالدوار وبتداعى المشهد من جديد ..اختفى كل شىء تدريجيا ،لم يعلق منه سوى نظرة السوامة التى تشى بالعطف ..فسرها قلب السبع فيما بعد إنها قد تكون مرغمة على فعل مافعلته مع الجمل..ثم خر فى اغماءة أفاق منها على جسد الملكة منبوذة وهى تنبت فى جسده ورود اللذة ..فر قلب السبع من غرفتها مذعورا وضحكاتها تلدغه كسوط..
*************************
أخذ كناس العتب حجاب سيف المولى وأدار وجهه إلى الأرض التى بدأ منها قداسته ليستعيد دوره فى الحكاية كمتبوع لاكتابع وكقديس لاكمرسال وكناسا لعتب الصالحين والخطاة ..مضى نحوها وما أن اقترب حتى بهته منظر المدينة التى تركها ..فقدصارت محاطة بأسوار عالية ومهيبة ..لكن تلك الأسوارلم تخف قبة من نار متوهجة ..خمن كناس العتب أن تلك القبة لقصر ملك ..وعلى بعد خطوات من تلك الأسوار رأى كوخا فقيرا لشيخ عجوزيتعبد ..عرفه كناس العتب رغم السنين البعيدة ..ذلك هو الشيخ هو الشاب الذى آتاه عندما كان قديسا وكانت تتبعه جمال على مسيرة أربعين يوما وليلة تحمل ثروته فرقها على الناس بعدما آمن به وبأن الكل باطل وقبض ريح ..فصار الشاب فقيرا بينما اغتنى الناس وتفرقوا عن كناس العتب ..
مضى نحوه ،عرفه الشيخ العجوز،بكى وقبل الأرض بين قدميه وقال:الآن..يعودالعدل إلى أرض مدينتنا ..انتظرناك كثيرا...ثم حكى له عما حدث بعد هروبه من أهل المدينة الذين عبدوه ثم كانوا كلما جاعوا أكلوا منه ..
فقال:بعد هروبك ..كوانا الظمأ ..فصرنا نشرب من النهر بشره شديد حتى جف النهر ،فظهرت البذرةالتى رميتها من قلبك وكانت تفصل بين ابن جنى وابن آدم ..وجدها طفل ..ظل يلهو بها غير مدرك كنهها ..حتى ملها ..فرماها مرة أخرى ..أما نحن فكدنا نشارف على الموت ظمأ ..لكن البذرة التى رماها الطفل ..كانت تطير لتهبط فوق بقعة من الأرض لتنقر عليها بشدة فصرنا فى عجب شديد..حتى تفجر أول نبع ماء ..فصرنا نتبع البذرة التي تطير لتهبط على الأرض لتنقرها ..فكنا نحفر مكان نقرها فنجد فى المكان الذى حددته البذرة بئر ماء ..عجوز من الغابرين أمسكت البذرة واشتمت رائحتك بها ..فعرفنا أن تلك البذرة هى البذرة التى كانت بقلبك وتفصل بين ابن جنى وابن آدم ورميتها كى تصير آدميا مثلنا ..
فواتتنا فكرة أن نزرع تلك البذرة فى الأرض كى تنبت خيرات عظيمة فأنبتت شجرا سامقا كان يحمل سرا عجيبا ..لم يكن يطرح أى شىء ..فأصابنا الاحباط وسخرنا من فكرتنا البلهاء وفكرنا فى اقتلاعها لأننا لم نجد لها أى فائدة..
لكن الطفل الذى وجد البذرة قعد تحت شجرة من تلك الأشجار بالصدفة وباح بأمنيته غير عالم بما قد يحدث ..
فقد كان يتمنى أن يصير غرابا ينعق ..كانت تلك هى أمنيته ..فروحه التى اتخذت بدن واحد من أبناءآدم ،كانت تخفى داخلها غرابا ينعق ..فما أن نطق بما تمناه ..حتى طرحت الشجرة فاكهة على شكل غربان سوداء ..سقطت إحداها بين فخذى الطفل ..ما أن أكلها حتى صار غرابا يطير وينعق ..
فصرنا نفعل كما فعل الطفل نقف تحت واحدة من تلك الأشجار السامقة التى كانت تتكاثر وحدها ونتمنى ما نشتهى من طعام وأموال وأشياء أخرى كثيرة ،فما أغرب ما قد يشتهيه ابن آدم وما أتفهه..
وهكذا عشنا فى نعيم بفضل بركة بذرتك..
حتى أتى يوم سمعنا فيه الأشجار تتحدث..فأصابنا الرعب ..وخشينا الاقتراب منها ..ثم صارت تنادينا أن ننقذها من كل هذا الشر القابع بداخلها ..لكن لا أحد منا أجاب أوفهم..
ثم اتخذنا قرارا باقتلاعها ..ومع أول ضربة فأس تصدعت الأشجار السامقة وخرج منها عماليق طوال يحملون وجهك..كانوا فوق المائة ،كل واحد منهم بطول شجرة عالية ..كانت هيئتهم خليط من ابن آدم وابن جنى ..شرما يحمله الاثنين اجتمع بهم ..لما خرجوا ..أطلوا بابتسامة تجمدنا على إثرها من الرعب سنينا طويلة ..أفقنا بعدها لنجد مدينتنا المسالمة الهشة ..وقد صارت ذات أسوارحصينة ،وقصورعالية يقطنها العماليق الذين صنعوا لك ضريحا ضخما يحمل قبة من نار ..
كان كل واحد منهم يحمل بيديه سوط عليه اسمك ،كانوا يحملون عينا واحدة فى منتصف رأسهم أما جبينهم فقد نقشت عليه عبارتك التى تحلقنا بها حولك وتركت بها ثروتى من أجلك .."أن الكل باطل وقبض ريح "..كانوا يشعلون عشرات الأبدان كل عام..نذرا لك ..وكان طعامهم المفضل هو شحمة الآذان ،كانوا يسخرونا فى الاغارة على القبائل المجاورة ويقولون أن ذلك يحدث بإذنك وبمباركة منك ..جمعوا الذهب والفضة وكدسوهما إلا أن عتبات قصورهم كانت تنضح بالقاذورات صبيحة كل يوم ..فكنا نكنسها لهم..
وحدى كنت على يقين أن ذلك لا يحدث بمعرفة منك ..كان ذلك اليقين يجعلهم يخشوننى ..فكنت كلما نطقت باسمك أصابتهم رجفة ..فسمحوا لى بالبقاء خارج المدينة ..لكنى على ظللت على أعتاب أسوارها منتظرا عودتك ..
لما انتهى الشيخ العجوز من حكايته قال كناس العتب للشيخ:لاتخف ..لقد عاد زمان كناس العتب
مضى كناس العتب مع الشيخ العجوز نحوباب العتب ثم أخرج حجابه صارخا :أنا كناس العتب ..ولى الزمان الجريح ..
فانفتح الباب ودقت النواقيس المعلقة بالهواء ،أما قبة النار فعلى وهجها حتى طال السماء وأحرق سحابة مقدسة ..
تجمع العماليق فى الساحة ،كانوا يحملون وجه كناس العتب إلا أنهم أكثر طولا وضخامة وقسوة وبعين واحدة فى منتصف الرأس..بدا بالنسبة لهم قزما ضئيلا وشيخا هالكا ..
فحمله واحد منهم بإصبع ثم دخل به إلى أضخم قصر ..ما إن دخل كناس العتب حتى مضى وحده بلا توجيه إلى ذلك العرش الخالى ..
ثم نظر إليه قائلا :من زعيمكم
فقالوا :لا أحدمنا ..لأن كل من سولت له نفسه الجلوس على هذا العرش احترق أو قتله واحد من إخوته طمعا وحسدا ..
ثم سجدوا جميعا تحت قدميه قائلين :دنا لك يا أبانا ..وحافظنا على ملكك ..نحن أبناؤك المخلصين ...
نظر كناس العتب إلى السماء نظرة لوم ..ثم أمرهم بكنس القاذورات التى رآها تمتد وتعلو تحت عرشه ..

Posted by Zeryab at 7:18 PM 4 comments



Tuesday, July 10, 2007

حكاية حسران وهيبة الملك

كان "حسران"يشعر بالحنين إلى أرض حنظل ..
كان قد انطلق إلى وادى سارق اللحم الذى يقطنه العقارب كى يتبع حكايته التى تبدأ من هناك ..
"سيصير لك نصف أرض ونصف سماء"
كانت تلك هى كلمات أبيه "طمان " فى قبره ..كان عليه أن يحصل على يد مقاتل وهيبة ملك وسيف بتار وإير حصان برى يصلح لاجتياح الملكة "منبوذة"
أما "أزغب "ملك العقارب..فعدل عن رغبته فى إيذاء "حسران" وارتضى بدوره فى الحكاية أن يصير تابعا لامتبوعا ..بعد أن جاءته الخفافيش بهدية وبنبأ ميلاد قلب السبع وهروبها من مدينة "حنظل" لتتبع نبوءة ذلك الذى يحمل عرجا فى ساقه ونار حقد ورغبة فى صدره ،تخضع له المدن وتلفظه مدينته ..
فعلم الملك أزغب من وزيره ساحر الشؤم أن "حسران " هو المقصود بتلك النبوءة ..
كان "حسران " فى غرفته ينعم بغناء أقبح جوارى الملك "أزغب "والتى لها فتنة بحر وسماء ثم غزلت لها الكلمات التى فى ريشة أبيه "طمان" وجها من طبق من نحاس وطبق من فضة وطبق من بنور فصار لفتنتها شموسا وأقمارا ..
سألها "حسران" :من أين لها بهذا الغناء الفاتن برغم كونها عقربة تهب الموت بلدغتها ..
فقالت الجارية :تعلمت الغناء على يد نملة تأكل اللحم وتقرقش العظم ،كانت تحرس سر اللهب والنار فى مملكة الجان الأحمر ..ثم تبعت "حنظل"نبى الوعول والذئاب وساعدته على الوصول إلى سر اللهب والنار فى تلك الأيام السحيقة ..
كانت تلك النملة يا سيدى قد أكلت أحد أتباعه حتى لم يبق منه سوى عينين موصولين بخيط رفيع إلى السماء ..هبط عليه ملاكين وحملوا عينيه إلى الجنة وثبتتهما مكان جسده كاملا غير منقوص ..فتبعتهما النملة ورأت مكانه ومكانته فى الجنة فندمت على ما فعلت ..وسألته عن سبيل للتوبة وللتكفير عن ذنب قتله ..فطلب منها تابع "حنظل" أن تعود إلى "حنظل " وأتباعه وتخبرهم أن نبيهم "حنظل قد صدقهم ما وصف وما وعد هى الجنة "جمال غير مفارق وأمن من بعد خوف "..
فقاطعها "حسران " قائلا :بل هى لبن عصفور ماظمىء بعده شارب ولا جاع بعده جائع ..
كان ذلك مما حرفه الذئاب فى شريعة حنظل ..
لكن الجارية أكملت :
لكن النملة طلبت من تابع "حنظل " أن يعطيها علامة يعرف بها "حنظل" قدومها من عنده حيث مقامه بالجنة ..فمنحها وردة من بستان عامر تدعى وردة المفتون ..
وقال لها :كلى منها قدر حاجتك ..واذهبى إلى "حنظل ببقيتها ..
فعادت النملة من حيث أتت..ولما أكلت صارت تصدح بغناء عذب ..لما سمعه "حنظل" عرف أن ذلك من ريح الجنة ..ثم أخذ منها الوردة ،وزرعها فى الأرض ..فأنبتت الوردة أمراء وأميرات يتشحن بنور أسود ..ثم صاروا فى نسيج الأرض وأوصال الكون على هيئة منشدين وصداحين وعابرة سبيل جوالين ومتسولين لاحسان المتيم بفتنة الغناء ..فعاد للأرض غناؤها الذى حرمت منه الأرض لشرها المستطير ورفع إلى السماء قبل أن يأكله طوفان نوح ..
فاستراح "حنظل" وقال عاد للأرض بعض من بهاؤها ، أما ماينقص الأرض سيأتى به واحد بعدى تحتفل لمولده الأكوان وتعشقه الشمس لأنه أول من سيحدق بها غير مبال ..
أما النملة فتسللت بأمر "حنظل" إلى الكهف الذى يحوى سر اللهب والنار فى مملكة الجان ويحرسه عشرة من الجن الأشداء ..سحرتهم بغناؤها فصاروا تابعين لها ..بل وأطعمتهم من وردة المفتون قدر حاجتهم ..حتى أذن لها "حنظل" أن تسرح فى أركان الكون بفرقتها المكونة من نملة وعشرة من الجن الأشداء الذين صاروا فى رقة يمامة ..يغنون للملتاعين والحمقى والمنهكين وعابرى السبيل والعطشى والعشاق المهجورين ..
وهكذا لم يبق أمام "حنظل " ليصل إلى سر اللهب والنار إلا تنين له وجه حرباء وصوت حية وعقل عصفور ..وتلك حكاية لا أعرفها
فسألها "حسران":لكنك لم تحك لى كيف تعلمت الغناء على يد النملة التى تأكل اللحم وتقرقش العظم ..
فقالت الجارية:
كان ذلك عندما اشتدت الحرب بين العقارب والحيات على وادى سارق اللحم الذى يحمل آبارا لاتنفذ من السم ..
كنت وصيفة ملكة الحيات أقلم لها أظافرها وأدلك جلدها الناعم وألمع العقود التى تهوى جمعها لتعلقها فى صدرها ..
حتى جائتنا النملة تصدح مع عشرة من الجن فى رقة يمامة بغناء عذب ..جاءت لتوقف رحى الحرب التى طحنت الكل ..تلك الحرب التى استمرت مائة عام وليلة وأنهكت الكل ..حتى غنت النملة من فوق تل عال :
فضَى الحبيب كاسه ..قلتله املالى
أنا قلبى كان مليان بالشوق صبح خالى
قلابة يا دنيا ..من يوم قليبه عال ليوم بطال
ولما تدى الرخيص ..تطلبى الغالى
كان غناءا فذا يا سيدى ..قالت عنه النملة : أن تلك مرة أفضل مرة غنت بها ..
حتى أن صوتها أوقف رحى الحرب لدقائق،كان عليك أن ترى وجوه القتلى المفزوعة والصارخة وقد تشكلت على شفتيها ابتسامات ..أذكر يا سيدى أن بعض الجثث صارت زنبقات ..وألقى المقاتلون أسلحتهم ..
لكن ملك العقارب وملكة الحيات ،أشعلوا الحرب مرة أخرى بصراخ ينزع الوجد من القلوب ويشعل جذوة الحقد التى كادت أن تصير رمادا ..
كانت الغلبة للعقارب ..طردوا الحيات ..فصار شرودهم الثالث وتخفوا مرة أخرى فى أوصال الأرض على هيئات عدة ..
أما أنا فكنت من الأسرى وأسرت معى النملة وعشرة من الجن الذين صاروا فى رقة يمامة ..وتقرر إعدامهم لقدرتهم على اختراق القلوب..
كان العقارب قادرين على سحق الجمال أينما حل ..حتى أنهم قطعوا الأشجار التى كانت تملىء الوادى ..لأن الحيات كانوا يختبئون بها ..
كان مشهدا مهيبا ذلك الذى وقف فيه الوزير"ساحر الشؤم "ليلقى بطلسم الموت على نملة تشدو ومعها عشرة فى رقة يمامة ..
كان آخر ما سمعته من النملة قبل موتها :
لعل رب "حنظل " قد غفر ..وابتسمت لى عندما شاهدتنى أبكى ..ربما كان ذلك هى ما آخر ما أبصرته قبل موته ..عيناى الباكية على موتها ..
أما الملك "أزغب " فاتخذنى جارية لشدة جمالى ،لم أكن أطيق لمسة منه ،كان يسحقنى حتى صرت فى قبح عقربة ..فزهد فى بشدة ..
كانت متعتى الوحيدة فى هذا الأسر ..أن أغنى كما غنت النملة ،كان غناء قبيحا ومترهلا ..حتى جائتنى تلك الحورية الزرقاء وحولها عشرة لآلىء تدور..
كانت الحورية هى روح النملة يا سيدى ..
قالت لى :جئت لأهبك نعمة وأهبهم لعنة ..فأخرجت من قلبى قطرة من غناؤها استقرت فى قلبى ،نفخت فيها ..وأعادتها إلى قلبى فصار لى على قبح وجهى فتنة بحر وسماء وصوت يشدو بالغناء جميلا ومبهجا ..
أما اللعنة التى سلطتها عليهم هى ظلال الأشجار التى قطعوها كى لاتختبىء بغصونها الحيات
..فصار بالوادى ظلالا لأشجار بلا أشجار ..لايمر بها عقرب إلا واحترق ..فتلّوت خطوتهم المستقيمة والواثقة فصارت كخطوة الحيات ..
فقال :"حسران" :أعلم عن أمر تلك الحورية الزرقاء التى حولها عشرة لآلىء تدور..كان غناؤها يأتى أحيانا ويختلط بهواء مدينة "حنظل" فى أوقات عجيبة ...كأوقات الغضب والألم والظلم ..كان يدفع بقلوبنا أحيانا إلى الرفق والوعول ..كان أبى "طمان" يقول عن غناؤها أنه أشد خطرا علينا نحن معشر الذئاب من ألد أعدائنا ..
ثم نظر "حسران" إلى الجارية ..ثم سحقها بقدميه غير مبال ..حتى لايصير غناؤها شرا على قلبه الذى يحمل نار رغبة وحقد ..هى معقل قوته الوحيد حتى الآن ..
***************
لما خرج "حسران "من غرفته وجلس فى ديوان الملك "أزغب "..طارت نحوه الخفافيش الهاربة من أرض "حنظل"بعد ميلاد قلب السبع ..ثم التفت حوله وصارت له ظلا وحرسا يأتمرون بأمره وبإشارة من إصبعه أو فكرة مرقت بعقله ..
تأمله ساحر الشؤم وزير الملك "أزغب " بعينيه التى تحمل أحدهما نورا والأخرى نارا ..رأى أن شيئا ما تغير فى "حسران"،لم يعد ذلك الخائف الرعديد ،بل اكتست ملامحه بقسوة ،قسوة قاتل ..حتى أنه لما نظر إلى الملك "أزغب" فوق عرشه جعله يرتعد ..كان يعريه بنظراته من هيبة الملك ..تلك الهيبة التى طارت فى الهواء وظلت تطوف فى الديوان الملكى ..ثم تكومت تحت قدمى "حسران" على هيئة إزار من حرير..التقطه خفاشان وألبسوه لحسران ..
وما أن استقر على جسده حتى قفز الملك العريان من عرشه خجلا من عريه لكن ساحر الشؤم ألقى تعويذته على الجسد العريان من الهيبة ثم ألقى بطرف خيط صار قفصا ذهبيا ..ثم تقدم ساحر الشؤم نحو "حسران"وانحنى وقبل الأرض بين قدميه ..ثم تبعته حاشية القصر ورفعوا "حسران إلى عرش "أزغب" ثم ألبسوه التاج ..تاج من طحالب خضراء ..
ثم قال ساحر الشؤم لحسران:احفظ إزار هيبتك الملكية ..فإن سقط عنك ..صرت مثل هذا البائس فى قفصه ..
جاءت ريشة من قبر أبيه "طمان"..أمسكها "حسران "..قرأ ما بها :
قد صار لك هيبة ملك ..لكن سر القوة لايكمن فى الهيبة فقط ..بل اثبت لنفسك أن تلك الهيبة خلقت لك ..
سأل "حسران نفسه :كيف؟!
ثم التفت لساحر الشؤم قائلا:أطلق هذا العريان من قفصه ؟؟
فأطلق ساحر الشؤم الملك المخلوع "أزغب "
نزل "حسران " من عرشه ووقف فى ساحة الديوان الملكى قائلا لأزغب..هذا هو ملكك إن أردته نازعنى عليه ..
تقدم "أزغب" من حسران لينتزع ملكه ..لكن الديوان الملكى انشق عن حرباء كبيرة معها كتاب أسود ..عرفها "حسران" ..فهى حرباء الكهف تاتى تأخذ جزية الألوان والتى قتلت أبيه خطأ عندما أرادت قتل قلب السبع ..
نظرت الحرباء إلى "أزغب "قائلة :مضى عهدك ..ذلك من تحدثت عنه النبوءة ..غريب يحمل عرجا فى ساقه ونار حقد ورغبة تخضع له المدن وتلفظه مدينته ..
لكنها منحت كل منهما سكينا يقطر دما ..كى يتنازعا على الملك ..
لكن "حسران "رمى السكين وخلع إزار هيبته الملكية ..فاندفع "أزغب " ليلتقط الإزار ..فما كان من"حسران إلا أن أمسك به ثم نفث فيه من نار فى قلبه تختلج حقدا ورغبة ..
فقالت "حرباء الكهف":تستحق إزار هيبتك ..ليس لأنك أكثر غدرا من عقرب ولكن لأن بعينيك قسوة قاتل..لإن الجارية التى قتلتها ..لم تغن لأحد مثلما غنت لك ..قد مسها الحب ..لم يجروء "أزغب " على قسوة قلبه أن يقتل قلبا أحبه مخلصا ..
لم يبك "حسران"..لكنه رأى حورية زرقاء فى الأفق تدور حولها عشرة لآلىء ومعها روح الجارية المقتولة ..صارت الروح لؤلوة ..فأصبح للحورية إحدى عشر لؤلوة تدور حولها ثم طارت مبتعدة عن هواء الوادى الملوث بالغدر..
خرج "حسران إلى الوادى تطوف حوله خفافيشه وعن يمينه ساحر الشؤم وعن ياسره حاشية القصر ..
هلل له العقارب المحتشدون لرؤية ملكهم الجديد..هتفوا :"مات أزغب ..عاش ملكنا حسران"
طارت حرباء الكهف مبتعدة بكتابها الأسود ..بعد أن وقعت عقدها المكتوب بالدم مع "حسران " أن يمنحها جزية الألوان ..ذلك الذى يضمن لها أن لا تفيض الألوان أبدا ..ثم عادت لكهفها المنسى ****************
صار لحسران عواء أكثر شراسة ..خضعت له أولى المدن ..لكنه لم يكن مبتهجا ..كان الحنين إلى أرض "حنظل" يعصره ..
ثم بكى فجأة ..كان يفتقد شيئا كغناء جارية قبيحة لها فتنة بحر وسماء ..لكنه توقف عن البكاء قائلا لنفسه:
إنى فقط أتبع مسار حكايتى ..
******************
أول ما أمر به "حسران"..هو إقامة ساحة مبارزة بين العقارب أقامها بين ظلال الأشجار المقطوعة التى إن مر على ظلها عقرب احترق ..
أقام مبارزات دموية بينهم ..كانت تلك هى تسليته الوحيدة ..تكوت الجثث ثم أمر ساحر الشؤم أن يلقى عليها تعاويذه فصنع أسوارا من الجثث المتكومة حول الوادى حتى لايلوث هواؤها غريب..
لم يتبق بعد هذه المبارزات سوى مائة عقرب..قال عنهم "حسران":هم الأقوى
وأكمل ساحر الشؤم :والأذكى ..لأنهم استطاعواالافلات خلال المبارزات من الظلال التى إن مر عليها عقرب احترق..
صار لحسران جيشا من مائة عقرب ..سواهم لهيب الاقتراب من الموت وصارت قلوبهم بلا رحمة تنبض ..فقد قتل كل واحد مهم أخيه وأبيه وخليله لينجو
نظر "حسران " إلى جيشه ..فخورا وابتسم للمرة الأولى منذ جاء إلى هنا ..

*****************************************************

Related:حكاية حسران ووادى سارق اللحم

حكاية حنظل وسر اللهب والنار

حكاية حرباء الكهف وجزية الألوان

Posted by Zeryab at 7:18 AM 3 comments



Monday, June 25, 2007

حكايتى كناس العتب ومحبوبة القمر

"سيكون ذلك هما ثقيلا ،لقد فاض السر يا كناس العتب وانزاح جبل السر من على الصدر وعاد إلى
مكانه فى بلاد الجان ..لكنى صرت عريانا ..
أنا كناس العتب ،الولى السابق ،والاله الجريح ..قائد الجان الأحمر فى أزمنة غابرة ..الآن أسير بلا أحبة ،مهتديا بقنديل الموتى ..ذاهبا إلى أرض الخطاة ..أرض القطط..صرت مرسالا بعد أن كنت رسولا وهاديا ..
مكانى الذى صار أبديا ..كناسا لعتب الصالحين والخطاة ..
لا فى يدى سيف مولى ولا بقلبى قلب سبع "
طوى كناس العتب حسرته فى قلبه واستحضر تعويذة النداء للشبح المنسى بين سماوات الله وأراضيه السبعة .."آكل الذكرى"الذى يأكل الأفكار التى قد تجعل الأرض أجمل من الجنة أو التى نظنها ستفعل والذكريات التى تجعل وقع الخطايا أشد ..
فلما استحضره ..هبت عاصفة عاتية لها ألوان شديدة الجمال وخليط من الروائح الكريهة التى إن اعتدتها لن تعرف أبدا كنهها وستثيرفى نفسك خليطا عجيبا من الحب والنفور..ثم تشكلت العاصفة وقد صدرت منها أصواتا تداخلت على هيئة أنات معذبة وغناء عذب ..ها هو الشبح آكل الذكرى ..الذى خلق من عدم ليمنح الفناء هيئته الخالدة ..
أرخى آكل الذكرى ضفائره الذهبية التى لايحصى لها عددا ..ثم واصلت الأصوات المعذبة تراتيلها وتوقف الغناء العذب ..
ثم وقف أمام كناس العتب ،تأمله، ثم ضحك ضحكة استهزاء قائلا:
بأى حال صرت يا كناس العتب ..صرت مدعاة للسخرية ،ولكن مع ذلك تملك الجرأة على أن تستدعينى بتعويذة خائبة..لم تعد بقوة الماضى لتسخرنى فى خدماتك ورغباتك ..استطيع الآن أن اسحقك بقدمى ..بل أنت أقل من هذا ربما هى نفخة تحيلك إلى غبارا منسيا ..
قال كناس العتب :إذن فافعل..أريد أن أصير عدما ،كأنى لم أكن، بلا ذكرى على الأرض ..
أطلق "آكل الذكرى ضحكة أخرى ..ثم اشتهى أقحوانة بديعة تتفتح فى تلك الصحراء القاحلة ، كان عصفورا قد رمى بذرتها كى يصير المكان أجمل ..فأكلها آكل الذكرى مقتلعا بذرتها ..
قالت الصحراء:لو أدركوا جمالى لصرت جنة ،لاحاجة لى ببذرة أقحوانة ..ليس كل ما نظنه قد يجعل المكان أجمل ..
التفت آكل الذكرى إلى كناس العتب قائلا:
لافائدة لك سوى فى ذكراك ولاحيلة لى فى اقتلاعها من الأرض حتى لو اقتلعتك ..أنت لاشىء بلا ذكراك
ثم نزع شعرة من إحدى ضفائره الذهبية ورماها فى قلب الصحراء فانشق عنها بحيرة صغيرة ..ثم أشار إلى كناس العتب أن ينظر ..فنظر كناس العتب فى صفحة الماء فوجد السر الذى باح به إلى رفاقه قد صار جبلا وعاد إلى مكانه فى أرض الجان أمام قصر الملك برقوش بن أبرش ملك الجان الأحمر حاجبا عنه ملكه ..
رأى كناس العتب الملك برقوش وهو يأمر جنده بدك الجبل ..
صار الجبل دكا ..لكن ما أن استقر الليل حتى اجتمعت الريح ..وقد أعادت حبات التراب والحصى إلى جبل مرة أخرى ولكن تلك المرة كان على هيئة كناس العتب نفسه ..عرفه برقوش وعرفه الشيوخ العجائز بقصره ..
تسرب الخبر إلى فقراء الجان ..هو زرادة قائد الجان الأحمر فى الأزمنة الغابرة ،زمن الملك أبرش الذى طرده من ملكه لما قال له يا عم الكل باطل وقبض ريح فاترك ملكك وانزل إلى الفقراء ..
تلك المقولة التى لم تمت بطرد زرادة/كناس العتب من مملكة الجان ،بل تلقفها الفقراء فأضافوا لها وآمنوا بعودة زرادة ليخلصهم من نير السلطان الجائر لملوكهم ..وصار ذلك دينا وملةوأضافوا لهاطقوسها التى تبتهل إلى زرادة الغائب المنتظر ..
فلما رأى أتباع كناس العتب الجبل الذى اتخذ هيئة زرادة ..قالوا أن ذلك علامة عودته ..
لكن الملك برقوش رأى فى ظهور الجبل وعودته بعد دكه متخذا تلك الهيئة ومن قبلها ظهور قلب السبع شؤما ينذر بزوال ملكه ..فأمر بدك الجبل مرة ثالثة ..لكن ما ان استقر الليل حتى عاد الجبل على هيئة كناس العتب ولكن تلك المرة كان يحمل سيفا ..كان الجبل مضاء بأكثر من أربعة آلاف قنديلا عدد أتباع كناس العتب
رأى كناس العتب كل ذلك فى صفحة الماء التى صنعها له آكل الذكرى فى وسط الصحراء القاحلة فبكى وقال:لاحيلة لى فى ذلك يارب..قدرى المسطور أن أصير الها جريحا بقداسة هى الدنس ذاته ..
ثم توسل إلى آكل الذكرى أن يمحوه وذكراه
قال آكل الذكرى:لو كنت استطيع لفعلت ..فأنت لاشىء ..لكن ذكراك صارت فى نسيج الأرض ..لا أحد قادر على محوها سوى قلب سبع ..تماما كخطيئة القطط لا أحد قادر على محوها سوى قلب السبع ..فأكمل مسيرك إليهم..واحمل إليهم بشارة ظهوره وحجاب سيف المولى ..
تذكر كناس العتب الحجاب الذى بعثه به "سيف المولى "إلى القطط دية قطهم القتيل ووصيته أن لايستخدموه إلا عند احتتدام الشر بهم ..
ثم نبتت فى رأسه فكرة ،تعيد مجده وقداسته وقدراته ..لمح آكل الذكرى تلك الفكرة ..اشتهاها ..كاد يأكلها لتصير نسيا وما أن مد إحدى ضفائره الذهبية ليقطفها ،انطلق شرر من الحجاب الذى يحمله كناس العتب أشعل النار فى ضفيرة آكل الذكرى الذى امتلكه الرعب فقال:
احذر ..لا أحد يعاند القدر..صرت تابعا فى الحكاية لا متبوعا ،مرسالا لا قديسا ..فلا تعاند قدرك ..
لكن كناس العتب لم يأبه بما قاله آكل الذكرى ..
كان فى منتصف الطريق إلى أرض الققط ليكمل دوره كتابع ..الا أنه أدار ظهره للطريق وقرر أن يبدأ من جديد من مقامه الذى بناه له الناس حيث بشر برسالته بينهم لما طرده الجان من مملكتهم فتبعه فلاح فى حقله وهدهد وشاب فقير..
ولى "آكل الذكرى "هاربا ..بينما مضى كناس العتب إلى طريقه ومعه حجاب سيف المولى
**************************
كان الملك وجلان مشغولا بالاحتفال القادم لعيد الكحل ..بلغه ان عضمضم صانع الضحك على مشارف المدينة ..هبت روائح على قصره أثارت موجة هائلة من الضحك فى قلوب من فى القصر ماعدا الملك نفسه ..مست أول ما مست الجوارى ..فرسموا صورة الملك على الجدران وهو يتغوط ،وهو يأكل بشراهة وهو يبكى عند أقدامهن ،وهو يرتجف أمام حرباء الكهف متوسلا طالبا الرحمة وساجدا كوعل ،وهو ينظر إلى تمثاله الذى صنعه له جمجوم البستانى ،وهو يقطف ريشة من ريش الحكمة من رأس وزيره السابق"طمان"ليحك بها ظهره ..
أما أكثر ما أثار ضحك من فى القصر وأثار حفيظة الملك "وجلان"..كانت صورة الملكة منبوذة وهى تنظر إلى قلب السبع فى اشتهاء بينما وجلان مشغول فى عد رؤوس الوعول ..
فأمر بقطع أصابع جواريه ..ثم عدل عن ذلك ..حتى لايفسد البهجة اللازمة لهبوط القمر ليشرب من بحيرة الكحل ..كى لايعاقبه بقضم قطعة من مملكته كما فعل مع سالف الأجداد ..أجل عقاب الكل إلى ما بعد صعود القمر كما نصحه وزيره الوعل الحكيم ..
لما دخل عضمضم المدينة أثاره كل هذا الحزن العالق فى سماء المدينة وهواءها حتى أنه أفسد بهجة العنب الذى أينعت ثماره فصار أسودا كالزبيب المنقوع فى الشمس
قال فى نفسه:كيف أصنع البهجة وأثير الضحك فى قلوب تتنس حزنا ..
مد يده إلى علبة صغيرة من قطيفة زرقاء فى جيبه ..أخرج منها قطا سمينا تتغير ألوانه وببغاء أعرج ..ثم مضى إلى قصر الملك
كان الملك وجلان فى انتظاره وقد اعد المآدب الفاخرة وأفضل أنواع النبيذ للضيف القادم ..
فلما دخل عضمضم إلى الملك وجلان ..نظر الملك وجلان إليه نظرة استغراب واستهانة ..
فقد كان عضمضم أشعث الشعر له أنف طويلة كفرع شجرة وأذنين على شكل مروحتين من الريش أما ساقاه فكانت تطولا وتقصرا بلا توقف ..أثار هذا موجة من الضحك أصابت الكل الا الملك الذى قال لعضمضم :
كيف يمكن لك أن تضحك أهل المدينة وأنت غير قادر على اضحاك ملكها
فطار الببغاء بجناحه الأعرج قائلا بصوت يشبه صوت الملك نفسه :عضمضم لايضحك الملوك
أكمل القط السمين الذى تتغير ألوانه :بل يصلح ما أفسده الملوك
فبهت الملك وجلان ..وابتسم الوعل الحكيم
أما عضمضم فقال :إن هواء تلك المدينة ما هو الا حزن خالص ..
ثم أمسك بيده نسمة عبرت ..نفخ فيها فصارت عنبا ثم برقوقا ثم تينا ..شمها بأنفه ثم قال :ربما ليست حزنا خالصا ’ربما خالطه شرا أزليا ومهيبا ..
قبل أن يتم كلماته دلفت الملكة منبوذة إلى عرشها تحت قدمى الملك ..ما أن رآها عضمضم حتى انتفض مرعوبا ..لكنه صمت
ثم التفت إلى الملك وجلان قائلا:لم أواجه مدينة كتلك من قبل..لى طلب وحيد أن تضاعف حصتى التى طلبتها من بحيرة الكحل
فقال الملك :
ان استطعت اضحاك المدينة فى ثلاثة أيام ستأخذ فوق ما تريد..وإن لم تستطع سأقطع لسانك وأضع مكانه ذيل قطك السمين
فقال عضمم :لاأعلم ما حاجتك إلى ..فى البستان عندك شجرة تشبهك تردد أقوالك وأغنيات تمجد ملكك..إن رآها أهل المدينة سيغرقون فى الضحك
ثم ذهب إلى المائدة العامرة بالطعام والنبيذومعه قطه السمين وببغاؤه غير عابىء بنظرات الملك الذى كاد يأمر بقتله
وإن كان من حين إلى آخر يرمى بنظرة إلى الملكة منبوذة ..لكنه سرعان ما يعود ليدفن رعبه فى الطعام والنبيذ باحثا عن فرحه المسروق
********************
كان للقمر مجلس فى السماء ..كان يحب أهل الأرض من أجل عينى امرأة ولدت بأول الأزمان ..كان القمر حينها من أهل الأرض..
كان مولده غريبا ..حين اشتهت حواء تفاحة الخلود ولم تقضم منها سوى قضمة ،ثم كان العقاب الالهى بهبوطها مع آدم إلى الأرض..
ظلت متشبثة بتلك التفاحة المقضومة ،وهبطت بها إلى الأرض ..ظلت رفيقتها وخبيئتها ،لم يعلم بالأمر سوى رب السماء وملك فى السماء وآدم ..أما نسلها فلم يعلم عن أمر التفاحة شيئا ..
هى لم تدرى لم تشبثت بتلك التفاحة المقضومة ،هى لم تقضم منها أبدا على الأرض ..ربما كان الأمر فى البداية تشبثا بالجنة ..ثم انقلب الأمر إلى دليلا على التوبة .أن تظل معها تفاحة الخلود تشتيها ولا تأكلها ..تفاحة الجنة التى لاتذبل
كانت التفاحة تزداد جمالا مع الوقت ..تضىء إذا ما انطفئت الشمس
حتى علم بالأمر أحد أبناؤها ..فاشتهى الخلود الذى تحمله التفاحة ..فقالت حواء لآدم :
لاأحد يتعلم

فأخذ آدم التفاحة ودفنها حيث مرقد هابيل ،لتضىء له فى موته ..
لكن التفاحة المقضومة أنبتت شجرة تفاح مقضوم ..فاقتلعها آدم ورمى الشجرة فى بحر مظلم فأضاء..
حتى أتى يوم اشتهى فيه البحر قدمى فتاة تداعب شاطئه
فقال لها فى جوفى مايضىء قلبك ..فقدم لها إحدى تفاحاته أكلتها واشتهت غيرها
فقال لها البحر:لايمنحك تفاحاتى سوى الغرق فى جوفى ..فغرقت وأنجبت له ولدا اسموه"قمرا"..
كان جماله لايوصف ،كان مضيئا ..يبدو كاملا وخالدا ..
لكنه لم يكن أبدا بهذا الكمال ..كان وجهه شديد الجمال والكمال ينقص كل يوم حتى يختفى تماما ..ثم يعاود الظهور تدريجيا حتى يصل إلى ذروة كماله وتمامه ثم ينقص مرة أخرى ..وهكذا بين الكمال والنقصان والاختفاء ظل "قمر"يواصل لعنته ..لذا ظل ذلك الوجه حزينا حتى عند اكتمال جماله وهيئته ..
عندما خرج من جوف البحر إلى الأرض ..أحبته نساؤها لشدة جماله ..إلا واحدة أحبته عند نقصانه واختفاء وجهه..وحدها كانت قادرة على أن ترى وجهه المستور ..
فقال لها :
سأهبك شيئا يميزك عن نساء الأرض..
فخط بإصبعه فوق جفنيها ..فصار الكحل ،ذلك الذى ميز محبوبته عن نساء الأرض ..إلا أن ملكة الحيات عرفت بأمر الكحل الذى جعل الفتاة أبهى
فتنكرت للفتاة على هيئة شجرة تفاح مقضوم ..فلما مرت الفتاة من أمامها نادتها الشجرة قائلة :عند لك ما يجعلك أبهى فى عينى القمر وفى خلوده ..
فقالت الفتاة :ماهو؟
فقالت شجرة التفاح المقضوم :
اقطفى منى ثمرة واقضمى منها قضمة تصيرين فى مثل ضياؤه وخلوده ..
فلما قضمت الفتاة قضمة ..نادى ملك فى السماء:
لاأحد يتعلم
سرى السم فى عروق الفتاة وماتت بينما تكحلت ملكة الحيات
بكى القمر بكاؤا شديدا ..دموعا من كحل صارت نهرا يصب فى بحيرة الكحل بأرض حنظل ..
صار الكحل للنساء جميعا يغرفن من نهره فصرن أبهى ..لكنهن لم يشبهن أبدا محبوبة القمر الذى وهبهن الكحل ..فصعد القمر إلى السماء بجماله وضياؤه مواصلا لعنة بلوغ ذروة الكمال والتلاشى ..
يهبط مرة كل عام فى عيد الكحل ..ليشرب من البحيرة ويلامس روح محبوبته التى صارت لؤلؤة تختبى ء فى قاع البحيرة تحرسها الحوريات والبنات اللواتى جئن فى أزمنة أخرى وامتلكن ما امتلكته محبوبة القمر ..أن يروا جماله عند اكتمال نقصانه

Posted by Zeryab at 7:41 AM 2 comments



Saturday, December 23, 2006

حكاية التوأمين ولعبة المحاياة


صار "قلب السبع " محاطا بنظرات متشككة وكارهة من الوعول فقد شارك فى تنفيذ عقاب الملك " وجلان" وأدمى بيوتهم بالجلد والسبى ..عرفوا أنه ليس منهم وأنه إلى الذئاب أقرب حتى وإن اتكئت هيئته على أجناس عدة ..فالجسد جسد ذئب والقلب قلب سبع أما ما أخذه من الوعول فلم يكن سوى قرونهم ،أداة قتالهم الوحيدة التى لايستخدمونها لهوان فى القلب وسلطة كتبها ما حرفه الذئاب من شريعة حنظل ..
أما الذئاب فقد كانت غيرتهم من " قلب السبع " أشد وطأة لازدياد حظوته عند الملك ..لكن أكثرهم حقدا عليه كانوا أبناء" طمان " إخوة "حسران" الذى سافر ليتبع مسار قدره ..لقناعتهم بتسببه فى مقتل أبيهم فصنع الحقد لأنفاسهم لهبا ميزهم عن باقى الذئاب ..
كان " قلب السبع " مذهولا عن كل تلك العداوات التى تنصب شراكها على مهل بعشقه للغزالة "السوامة " ..كان ذلك العشق يزداد ويزيده نقصا فى الزاد والقوة ..ولم يكن يسليه فى عذابه هذا سوى حكايات الوعل الحكيم عن " حنظل "وغزالته التى عشقها من قديم الزمان ..كان يذهب كل يوم إلى الوعل الحكيم ليستزيده من حكايات " حنظل" ..فإذا ما وصل إلى قصة عشقه بكى " قلب السبع " ..
لم تعد " السوامة " تظهر ..وكان ذلك إيذانا بعودة الصيد ..خرج قلب السبع مع "عين اليمين " وعين الشمال" حيث موعد ظهور الغزلان ..
كان " عين اليمين " يمتلىء بالحقد على " قلب السبع " ولولا وصية الوعل الحكيم له بالانتظار لسلط عليه ظلاله لتقتله ..
أما "عين الشمال "فكان على أمل فى أن تتسلل محبته وكلماته إلى قلب " قلب السبع " فتنير له الطريق ..كان وحده يشعر أنه واحد منهم وأنه فقط ينقصه الفهم ..فقال " لعين اليمين " : لم تصنع الأقدار صنيعها هذا إلا لخير ..فرد " عين اليمين " ساخرا : لم تصنع الأقدار سوى مسخ يعينها علينا ..ثم توالد الشرر بين عينيهما كأشد ما يكون ..أيقنا الآن ما يخبئانه عن بعضهما البعض ،لكنهما التزما الصمت ..ثم جهز كل منهما سهمه وظلا مع " قلب السبع " وقطيع الوعول يرشقان قلوب الغزلان ..
إلا أن " قلب السبع " صرخ فجأة ثم انزوى باكيا ..ذهب "عين اليمين " و"عين الشمال " يجمعان من الغزلان المقتولة حصيلة يومهما المتعب ..ثم عادا إلى "قلب السبع " وسألاه عن سبب انزوائه وبكاؤه ..فأجاب وبصره معلق بالشمس:
أكره الصيد ..
فاصطاد"عين اليمين " عبارته نافذا إلى قلبه بسهم ساخر قائلا :صيد الغزلان أم الوعول ؟
نظر إليه "قلب السبع " بعين لا تحيد نظرة طويلة تكسرت فيها نظرة " عين اليمين " ثم قال له " قلب السبع " :لك عين ذئب ..جسد وعل وعين ذئب ..لعلك مسخ ..
ارتج الأمر على " عين اليمين " أحس بانكشاف ستره ،لم ينجيه من هذا ضحك الوعول من سخرية " قلب السبع " من " عين اليمين " وضحك الذئاب المستخف ..لولا أن أحد عيارى الملك التقط العبارة وذهب بها إلى الملك "وجلان " قائلا:
علمت الآن ..سارق لبن العصفور،قاتل الذئب ،منجى الوعول من عقاب ملكهم ..إنه "عين اليمين"
فقال له الملك "وجلان" :عليك بينة ما ادعيت ..أو جعلت لك عورا بعينك مثله ..
فطار عيار الملك إلى " عين اليمين " بقطعة من لحم غزال ..ثم قال له : الملك يقرؤك السلام ..وبعث لك معى بهدية تقديرا لمهارتك فى الصيد وخدمتك إياه ..
فقال " عين اليمن " وقد لعب فأر الشك بعبه :وما ذاك ؟
فقال عيار الملك : قطعة من لحم غزال
فقال " عين اليمين " نحن الوعول لانشتهى اللحم ..نصطادها فقط..من أجل مولانا الملك
فقال عيار الملك : رد هدية الملك ..إهانة للملك ..وفديتها قطع رقبة
كان " عين اليمين " يدرك جزءا من الخدعة ..جزءا كافيا لادراك سر الهدية ..لكن جرى شيء غير مألوف فى عروقه ..شيئا يعمى البصر عما أيقنت به البصيرة ..شهوة جديدة صارت حارقة تدب فى عروقه ..أن يتذوق اللحم ..لحم الغزال
كان يعلم أن ذلك ما دب فى جسده منذ أن قتل الذئب وتسللت روحه إلى داخله ..كانت شهوة حارقة أعمته عن الافلات من الشرك المنصوب بسذاجة ..فأخذها من عيار الملك ورغم إدراكه لعاقبة الأمرمسكها ليقضمها ..وما أن قضم منها قضمة حتى خطفها عيار الملك ..وطار بها إلى الملك " وجلان " ليدرك " عين اليمين " ما تبقى من الخدعة فأيقن بهلاكه ..
فلما ذهب عيار الملك "وجلان " إليه ..أمر الملك باخراج جسد الذئب القتيل ليطابق بين آثار الأسنان على جسده وآثار أسنان " عين اليمين " على قطعة اللحم ..فلما أيقن بتطابقهما ..رمى بغزال كامل إلى عياره فذهب فرحا .. وأمر جنوده باحضار " عين اليمين " لكنهم لم يجدوا أثرا له أو لعين الشمال ..لم يجدوا سوى أبيهما "جمجوم ..الذى كان حينها يرعى البذرة التى أعطاها إيه " طمان " حاملة معها هلاك الملك ..
فأمر الملك بحبسه حتى يعثر على " عين اليمين "
أما " عين اليمين " فلما أدرك الشرك الذى أوقعته فيه شهوته رغم ادراكه الخدعة من البداية ..استيقظت داخله روح الذئب فعمد إلى حيلة أدمت قلبه قليلا ولكنه رأى أنه الأولى بالبقاء لتحرير الوعول من طغيان الذئاب ..
فقال ل" عين الشمال" :فرق بيننا شىء ..
فرد"عين الشمال " : نحن أخوة ..رغم كل شىء ..
فقال"عين اليمين " ما رأيك ان نستعيد بعضا من أيام الصبا ..نلعب لعبة
فسأله :عين الشمال : لعبة ..أى لعبة ؟
أخذه " عين اليمين " من يده ..جره جرا بطاقةمن حنان جعلت التحامهما يعود كحقيقة أزلية ..ذهب به إلى كوخ " طرطوفة " التى تعصر العنب وتحيله بكلماتها إلى خمر طيب المعشر والمذاق ..شرب " عين اليمين " حتى انتشى ،وجر " عين الشمال " إلى الشراب حيث تجد الكلمات المعسولة والحديث عن حنا مفقود مسلكا نافذ إلى القلب يجعله طيعا بين يديه ..
ثم خرج به من كوخ " طرطوفة" إلى تل كانا يلعبان به وهم صبية صغار ..
رقص " عين اليمين " وأشار إلى قلبه ثم قال : هنا يكمن السر الذى لايجعلنا توأمين ..
فأشار " عين الشمال " إلى قلبه ثم قال : هنا يكمن السر ..الذى يجعلنى أرقص
ابتسمت لهما الشمس ،كانت تحبهما ..ترى فيهما اكتمالا وجمالا رغم عور عينيهما ..قطفت لهما ستة نجوم من السماء نسجتهم فى سرعة على هيئة ابن آدم يحمل من ملامحهما ما يكفى ليصير حسنا وبدرا طالعا على الأزمان ..وجعلت بيده قيثارة غزلتها من غيم وصنعت أوتارها من سعف نخلة ..ظل قرينهما يعزف وهما يرقصان ويغنيان ..كان صوتهما معا جميلا كطفل تهدهده أمه ..أنشد " عين اليمين فقال:
ياحسن يا ملالى ..على نسمة معدية
قلبى تحبه الريح ..والريح معادية
السعد وعد ..والوعد له أحوال
آهين يا ندر الوصال ..لك فى الميعاد..دية

فأكمل"عين الشمال " قائلا :
ناح حمام الدار ..رميت له طرف الشال
طار به حمام الدار ..والوعد كان منشال
السعد وعد ..والوعد له أحوال
حط الحمام ع الدار ..والدار ماهيش ليا

ثم أنشدا معا بصوت واحد: حط الحمام ع الدار..والدار ماهيش ليا ..قلبى تحبه الريح ..والريح معادية
تجمعت طيور كثيرة على إثر غناؤهما ..نزفت الشمس مطرا فابتلا كعصفورين ..نبتت لهما اجنحة ..فصار الرقص طيرانا ..ثم طافت عليهما جنيات خفيفات أمطرتهم بقبلات ونسائم ..والكل يغنى : آهين يا ندر الوصال ..لك فى الميعاد ..دية..والشمس تستزيدهما وتردد وراؤهما
ظلا على هذا الحال فى سلطنة وطرب حتى تخضبت الشمس بلون الدم ..فانفرطت النجمات المعقودة على هيئة ابن آدم عائدة إلى مكانها فى السماء وعادت الطيور ملتقفة غناؤهما لتسرى به فى أوصال الدنيا واختفت الجنيات الخفيفات ومعها الأجنحة التى نبتت ل" عين اليمين " و" عين الشمال " كذكرى لتلك الليلة السعيدة ..
فقال " عين اليمين " : لاينقصنا الآن سوى لعبتنا القديمة التى كنا نلعبها ونحن صبية ..وكنا نضحك بها على أمنا وأبينا جمجوم
فقال " عين الشمال " منتشيا: لعبة المحاياة ؟
فأجابه " عين اليمين " : بلى ..نستعيد بها بضعا من أيام صبانا
كانت لعبتهما القديمة ..يقوم أحدهما بسحب ماء الحياة من عين أخيه الحية ويثبتها مكان عينه المطفأة وماء الحياة من الساق الحية ليمنحها لساقه العرجاء ..ويقوم أخيه بالعكس ..فيصير "عين اليمين " هو "عين الشمال " ويصير " عين الشمال " هو " عين اليمين"
لم يكن لأحد أن يميزهما إذا تبادلا العينين والساقين ..إلا أمهما وحدها كانت تدرك اللعبة ..وكانت تشير إلى قلبيهما قائلة : هنا يكمن السر ..يكمن ما لايجعلكما توأمين ..
استجاب "عين الشمال " ولعب مع أخيه لعبته القديمة ..فصار يشبه " عين اليمين " وصار " عين اليمين " يشبهه ..
ثم قال "عين اليمين ": تعالى ننزل ونكمل اللعبة..ونشاهد الوعول والذئاب ونضحك عليهم فى سرنا من اختلاط أمرنا عليهم
استجاب له " عين الشمال " ..أدركت الشمس الخدعة لكنها تعللت بفوات الآوان ونفاذ القدر ثم أنشدت :
آهين يا ندر الوصال ..لك فى الميعاد ..دية..ثم وقعت من يديها القيثارة التى صنعتها من أجلهما من غيم وسعف نخلة ..وتحطمت على الأرض ..
فلما هبطا من التل وذهبا إلى بيتهما وجدا جنود الملك فى انتظارهما وأمهما تنوح ..فلما رأوا " عين الشمال " ظنوه " عين اليمين " فأسروه وذهبوا به إلى الملك ..
أما "عين اليمين " فبكى بكاء أعور ..بكاء نصفه حى ونصفه ميت ..ثم قال لنفسه : أنا الأولى بالبقاء ..لتحرير الوعول من بطش الذئاب
ثم غنى بصوت كسير:
قلبى تحبه الريح ..والريح معادية
***************
أنكر"عين الشمال " قتله للذئب..قال أنه لم يصنع أكثر من عزفه للناى ..عزف يجلب له الأرواح الهائمة ليحدثهم عن ما حرفه الذئاب فى شريعة حنظل..
رأى الملك أن هذا الكلام أخطر عليه من مقتل ذئب ..فأشار عليه بقتله ..فذكره الوعل الحكيم باقتراب هبوط القمر إلى مملكته وأن مزيد من القتل سيزيد الناس غما ..
فرأى الملك "وجلان" بأن يحبس "عين الشمال " فى قبو الخطاة ..قبو الطريق إليه متاهة والخروج منه تيه ..قبو لايعرف سر الخلاص منه أحد..ولا الملك "وجلان " نفسه" ..قرأ الملك " كلمات عقابه الملكى ..مع كلمات من سحر أسود ورثها عن جدوده ..فجائت زبانية القبو طائرين ..حملوا "عين الشمال " وقذفوا به هناك ..
أما "عين الشمال " فنطق بكل شىء إلا خدعة " عين اليمين " ..قال لنفسه : لم أكن أملك سوى كلمات ..وها قد قلتها فى قصر " وجلان" نفسه ..الكلمات لا يحبسها قبو..حتى لو صار صاحبها فى قبو الدخول إليه متاهة والخروج منه تيه ..
استسلم "عين الشمال " قانعا بنجاة كلماته ..كان ذلك آخر مبتغاه
أما " جمجموم " فقد طرده الملك من القصر ..لكنه بعد بضعة أيام رأى فى البستان شيئا عجيبا ..كانت البذرة التى غرسها جمجوم ..فى البستان كانت البذرة التى زرعها "جمجوم " فى البستان قد نمت على هيئة عجيبة ..نمت على هيئة جسد الملك وجلان ..وكانت تصدح بأغنيات تمجد فى الملك " وجلان " وأغنيات أخرى كانت تغنيها أمه له فى مهده وصباه ..وأغنيات أخرى على هيئة أحجيات ..فقال الملك : من صنع هذا ؟
فلما أتوا به ..ارتج الأمر على "جمجوم " فقير العقل والروح ..لولا همس جاء من قبر "طمان " فألهمه الاجابة ..فقال:
صنعتها لك يا مولاى ورويتها بحبات عرقك ..تخليدا لك ووفاء..أما ابنى فلاشأن لى بما صنع ..لو علمت لقطعت رقبته بنفسى ..
نفخ ذلك فى غرور الملك ..الذى أعجبته صنعة جمجوم ..شجرة تغنى باسمه ..
أما " جمجوم " فانطلق باكيا لاعنا "طمان " الذى سرق قدر ولديه ..ومنحه لولده "حسران" ثم لعن الذئاب جميعا ..ثم لعن نفسه مرات ..وهو يتعجب كيف لشجرةمثل تلك تمجد الملك وتغنى له وتتخذ سمته ..أن تحمل هلاكه كما أخبره "طمان" ..وجلس عند ظل شجرة عليها بلبل يغنى : السعد وعد ..والوعد له أحوال ..حط الحمام ع الدار ..والدار ماهيش ليا

Posted by Zeryab at 4:18 AM 5 comments